الشهيد الأول

88

جامع البين من فوائد الشرحين ( موسوعة الشهيد الأول ج 16 و 17 )

الامتناع لا الوجوب . وللقطع بإمكان وضع قبيلة لفظاً لمعنى ثمّ تضع قبيلة أُخرى ذلك اللفظ بعينه لمعنى آخر ، واشتهر الوضعان ؛ وهو السبب الأكثري ، وكذا نقطع بإمكان وضع الواحدة لمعنيين على سبيل البدل ، والغرض من وضعه حينئذٍ التمكّن من التعبير عن كلّ من المعنيين مجملًا عند تجرّده عن القرينة ، ومفصّلًا عند القرينة ، ولا يلزم من انتفاء التفصيليّة انتفاء الإجماليّة ؛ فإنّ أسماء الأجناس لا خلاف في وضعها مع عدم الفائدة التفصيليّة فيها ، وهو السبب الأقلّ ، ولأنّ التجانس الذي هو من محاسن البديع لا يقتدر عليه غالباً إلّابالألفاظ المشتركة ، كقوله تعالى « وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ » « 1 » ، وقوله عليه السلام : « خلّوا بين جرير والجرير » « 2 » عنى به جرير بن عبد الله البجلي « 3 » وزمام الناقة . والتجانس مقصود ، فلو ذهب المشترك واقتصر على الألفاظ المتباينة والمترادفة لفات ذلك من المحاسن ، ولأنّ الاشتراك واقع في الجموع ك « كعاب » جمع « كعب » و « كعبة » ، وهي لفظ يصلح للمفرد والجمع ك « راح » للخمر ، وجمع راحة ، و « عقاب » للجزاء على الذنب ، وجمع عقبة . وهذا كما يدلّ على أنّه لا خلاف فيه بالفائدة ، يدلّ على وقوعه من واضع واحد . وقد نازع في ذلك جماعة ؛ لأنّ واضع المفرد واضع الجمع . احتجّ المانعون بأ نّه على تقدير الاشتراك ينتفي العلّة الغائيّة من وضع اللفظ ؛ إذ هي الإفهام . وتردّد السامع بين المعاني وعدم حمله على أحدها ؛ لامتناع الترجيح بلا مرجّح ينفي الإفهام ، ولأ نّه إن ذكر مع القرينة فيطول بلا فائدة ، أو بدونها فلا فهم أصلًا وكان عبثاً .

--> ( 1 ) . الروم ( 30 ) : 55 . ( 2 ) . النهاية في غريب الحديث ، ج 1 ، ص 259 ، « جرر » ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 8 ، ص 277 . ( 3 ) . جرير بن عبد الله البجلي ، أسلم قبل وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله بأربعين يوماً ، وبعثه النبيّ صلى الله عليه وآله بكتابه إلى ذي الكلاع وقومه ، وكان له في الحروب بلعراق القادسيّة وغيرها أثرٌ عظيم ، وكتب عليّ عليه السلام معه كتاباً إلى معاوية يدعوه إلى البيعة ، ولكنّه - كما قيل - يبغض عليّاً عليه السلام . وتوفّي سنة 51 أو 54 ه . راجع الإصابة في تمييز الصحابة ، ج 1 ، ص 581 - 583 ، الرقم 1139 ؛ وسير أعلام النبلاء ، ج 4 ، ص 141 - 146 ، الرقم 204 .